التعليم العالي والوعي السياسي
يعيش الأردن مرحلة جديدة من التحديث السياسي والبناء الحديث للمشروع الوطني الأردني السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، في إشارة إلى قدرة الأردن الوطن العظيم، والدولة الأردنية على التقييم ومراجعة الحالة العامة الداخلية الأردنية والخارجية العربية والإقليمية والعالمية وما فيها من أحداث ومجريات تؤثر فينا وعلينا، وإثبات القدرة على مواكبة المتطلبات من أدوات واستراتيجيات للتأثير فيها أو التخفيف من آثارها الجانبية الضارة أو أحيانًا اللجوء إلى الابتكار في توظيفها لخدمة المصلحة الأردنية الوطنية العليا والعربية.
قيادتنا الأردنية الهاشمية الحكيمة، تشكلت لديها القناعة المطلقة والرؤية الثاقبة، بضرورة إطلاق هذا المشروع وهذه المرحلة إيمانًا بأهميتها وضرورتها للحاضر الحالي والمستقبل القادم للوطن والدولة الأردنية، فجاء تشكيل اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، شارة البداية، وإقرار قوانين الأحزاب والانتخاب، وعلى أساسه ستجرى الانتخابات النيابية القادمة لمجلس النواب العشرين، والذي هو للأمانة والتاريخ والتنويه للأهمية أن القيادة الهاشمية لطالما كانت المتابعة والمراقبة لأداء الحكومات والمؤسسات والسلطات المحلية ومدى تحقيقها للتكليف السامي الملكي وعناوينه وأهدافه العريضة في كل مرحلة، والدليل هو الحركة الدائمة على تشكيلة الوزارات في الحكومات، ومسؤولية المواطن في تغيير الوجوه من أعضاء في مجالس النواب الذين مارس أغلبهم دور التمثيل أو الصمت ولم ينتصروا للوطن قيادة وشعبًا وتلبية مستوى الطموح والأداء.
فعليًا إن مرحلة التحديث السياسي انطلقت من تاريخ كتابة أول ورقة نقاشية ملكية بعنوان «الديمقراطية المتجددة» في عام 2012.
اليوم ومع بداية تشكيل الأحزاب وقوائمها وبرامجها إن وجدت، وظهور ملامح أساساتها التي استندت عليها في إقامة بنيتها السياسية الفكرية، نستنتج أننا أمام مؤشرات إيجابية لتقبل هذه الدعوة والإقبال عليها، ولكن ما زالت البدايات وبحاجة إلى تنميتها وتعزيزها ودعمها للتخلص من سلبيات ومخالفات المراحل السابقة التراكمية.
ولعل ما نشهده ونسمع به في جامعاتنا الأردنية من ممارسات هجينة وغريبة عن الثقافة الأردنية الموروثة الأصيلة، وتخالف مظهر وانطباع مدنية وحداثة الدولة، حيث صرنا نشهد أحداث العنف الجامعي ما بين أبنائنا، فلذات أكبادنا الطلبة المتأثرة ببعض عقليات سلوك الهويات الفرعية التي لا ننكر أنها قد تكون خارجة عن إرادتها نتيجة الضغوط الاقتصادية أو المكتسبات الفردية.
فصارت انتخابات مجالس اتحاد الطلبة تجرى وفق الهوية العشائرية أو المناطقية وليس على البرنامج الذي يتلمس ويلمس ويلبي احتياجات الطلبة والجامعة، الهادف لجعلها منارة علم وفكر، ويعالج قضاياهم والصعوبات التي تواجههم مثل الرسوم الجامعية والمناهج التدريسية، التي ارتفعت على مستوى الرسوم وتراجعت على مستوى المخرجات.
والغريب والمستغرب في الأمر أن أغلب المخالفات والتجاوزات دائمًا تكون في كليات الاقتصاد والتجارة والسياسة والآداب والعلوم الإنسانية والشريعة، التي تشكل نواة قيادات المجتمع والدولة، ويفترض أن يكون الطلاب فيها على ثقافة ومعرفة عالية من الاطلاع على علوم الفلسفة والفكر الإنساني العقلاني أو الإدارة والمهارات وحوار الحضارات والديانات.
لكن للأسف، لغياب تيارات التنوير والفكر وممارسة الاشتباك الواقعي المرتبط بالبرنامج والخطة والأهداف، تركت الساحة للفراغ لذوي الفكر النفعي الجهوي أو تيارات الدين السياسي المتطرفة أو التيارات السياسية المؤدلجة الراديكالية من العهد القديم، التي لم تبذر في نشاطها زرعًا أو قمحًا، بل أسمعتنا وأشبعتنا خطابات وديالكتيك وطحنًا، وتهديدًا بتمزيق اليافطات وأبرحتنا ضربًا وطعنًا.
ولأن الطبيعة لا تقبل الفراغ، وهي كذلك ميادين ومساحات وساحات السياسة والفكر، هنا نقول: هناك واجب ودور على تيار وسط اليسار المدني الديمقراطي الاجتماعي، الممثل بالأحزاب الديمقراطية الاجتماعية، بإنشاء وصناعة رؤية وقراءة جديدة للمشروع الوطني للتغيير انطلاقًا من جامعاتنا الأردنية.
وإيجاد جيل شبابي مثقف، معرفي، واعٍ سياسيًا، قادر على استيعاب الطيف السياسي الواسع داخل المجتمع الأردني والتعامل معه، وصقله وصهره داخل بوتقة العمل التشاركي الذي يصب في مصلحة بناء القيادات والقدرات الشبابية السياسية الصاعدة والواعدة لإدارة هذا الوطن وخدمة هذا الشعب وهذه الأمة.
وهذا عهدنا علينا ومسؤولية في رقابنا لهذا الوطن وقيادته، فهل نستطيع؟